علي بن عطية الهيتي ( شيخ علوان )

178

نسمات الأسحار

وفي الآية كلام كثير التدقيق وإشارات لأهل التحقيق تركته خوف التطويل ، فمن أراده فعليه بكتاب أسرار التنزيل للإمام فخر الدين الرازي سقى اللّه ثراه وجعل الجنة مأوانا ومأواه . * دقيقة : وهي أنه تعالى إذا خلق شيئا من شئ جعل مرجعه إليه ألا ترى عيسى عليه السلام لما كان أصله من نفخة جبريل عليه السلام عاد إلى أصله إلى عالم الأفلاك فقال تعالى : إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ [ آل عمران : 55 ] ، وقال تعالى : بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ [ النساء : 158 ] ، وكذلك البشر لما كان أصله من التراب رجع إلى التراب بدليل : مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ وكذلك الملائكة لما كان أصلهم من النور فهم لما طعنوا في البشر وقالوا : أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء . ولكنهم ما استمروا على ذلك الطعن بل رجعوا إلى مقتضى أصلهم وهو النورانية وعادوا إلى الصلح والاستغفار كما حكى عنهم جل جلاله بقوله : وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا إلى أن قال : فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ [ غافر : 7 ] . * مسألة : فإن قلت الملائكة مخلوقون من النور أم الريح ؟ قلت : ورد خبران : أحدهما : أنهم خلقوا من النور . والثاني : أنهم خلقوا من الريح . وستسمع توجيه كل من الخبرين ثم الجمع بينهما . أما توجيه الأول : فاعلم أنه تأكد هذا الخبر بوجوه : منها أن النور صاف عن الكدورات والملائكة كذلك لأنها مستمرة على طاعة رب الأرض والسماوات . ومنها أنها توغلت بقوة نورانيتها في بحار عرفان جلال اللّه تعالى .